محمد ابراهيم شادي

84

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

ذلك في تلاوة القرآن على طرق الأداء الصحيحة لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللغات كلها في هز الشعور واستثارته من أعماق النفس ، وهو من هذه الجهة يغلب بنظمه على كل طبع عربى أو أعجمي حتى إن القاسية قلوبهم من أهل الزيغ والإلحاد لتلين قلوبهم وتهتز عند سماعه لأن فيهم طبيعة إنسانية « 1 » ولأن تتابع الأصوات على نسب معينة بين مخارج الأحرف المختلفة هو بلاغة اللغة الطبيعية التي خلقت في نفس الإنسان " « 2 » . وقد حاول الرافعي أن يكون حديثه عن إعجاز الأداء الصوتي أكثر تحديدا لكنه كان ما يزال مطلقا غير مقيد بالشواهد الكاشفة وتنحصر وجوه ذلك الإعجاز في وجوه : الأول : ترتيب الحروف وتوزيعها ترتيبا وتوزيعا خاصا يراعى فيه صفات الحروف ومخارجها على نسب معينة يجعل المستمع يشعر ببلاغة الصوت - عربيا كان أم أعجميا بشرط الالتزام بقواعد الأداء والتجويد المعروفة للقرآن ، فلذلك أثره في إسناد الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض في انسياب وانسجام . الثاني : الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن والتي تعد صورا تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى ، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه « 3 » وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها أو بالمد وهو كذلك طبيعي في القرآن ، وختم الفواصل بحروف المد واللين وإلحاق النون للتمكين في التطريب كما قال سيبويه : إن العرب إذا ترنموا ألحقوا الألف والياء والنون . . فإذا لم تنته الفاصلة بواحدة من هذه كأن انتهت بسكون حرف من الحروف الأخرى كان ذلك متابعة لصوت الجملة وتقطيع كلماتها ومناسبة للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه ، ويغلب هذا في الجمل القصار بالحروف القوية التي تستتبع القلقلة أو الصفير ونحوهما .

--> ( 1 ) ولعل الرافعي يقصد بهذا تفسير كون القرآن معجزا للعرب ولغيرهم . ( 2 ) إعجاز القرآن للرافعي 244 ( 3 ) يحتاج هذا الكلام إلى شرح من متخصص في قواعد الموسيقى ويبدو أن الرافعي استعان بالمختصين في هذا الفن كما استعان بمصطلحاتهم ولغتهم .